محمد كرد علي
131
خطط الشام
الزراعة الشامية العامر والغامر : حياة الشام بزراعته ثم بصناعته وتجارته ، والقرى والبوادي أوسع بقعة وأوفر سكانا من المدن والحواضر ، ولا نعلم مقدار سكان الشام في القرون التي سبقت الإسلام ولا في القرون التالية ، وقال بعضهم : إن سكان الشام عند دخول العرب كانوا ستة ملايين على وجه التخمين ، ولكن الظاهر من مصانع أهلها وطرقهم القديمة التي كانت تربط أجزاء القطر كالشبكة وآثار عمرانهم مثل حنايا بعض الجسور الكبرى ، وخرائب القصور الفخمة ، والدّ من التي تشاهد الآن في أواسط الفلوات الخالية ، والعاديّات والآثار الجمة ، يدل على ارتقاء زراعتهم وكثرة ثروتهم ونفوسهم . فقد كانت حوران أنبار الشام على عهد الرومان لوفرة حبوبها ولا تزال هي والبلقاء على كثرة ما تعاقب عليهما من الأيدي الظالمة في الأكثر ، معروفة بهذه الصفة وجودة حنطتهما التي لا مثيل لها ، وما يقال عنهما يقال عن جميع الأصقاع الشامية . ولا سيما ما كان بقرب المياه والأودية فإنه عامر بطبيعته لا يحتاج إلا لأمن ونظام حتى يفيض لبنا وعسلا . ومغل حوران كسيل دافق * يأتم من أرجاء جلق موجلا ومما أقامه الرومان لحفظ زراعة البلقاء وحوران وما كان على سيف البادية من مرج الغوطة وأداني جبل قلمون وتدمر فحلب فما وراءها ، مخافر مجهزة أحسن جهاز لمنع البادية من التسلل إلى المعمور ، لأن داء الغارات على الزروع والعيث في العامر من الأدواء القديمة . واعتداء الرحالة من أهل الظعن ، على المقيمين من أهل الدساكر والمزارع ، النازلين في الدور والمساكن ، داء قديم